محمد بن جرير الطبري
64
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
كَلَّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ قال : غلب على قلوبهم ذنوبهم ، فلا يخلص إليها معها خير . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا جرير ، عن منصور ، عن مجاهد ، في قوله كَلَّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ قال : الرجل يذنب الذنب ، فيحيط الذنب بقلبه ، حتى تغشى الذنوب عليه . قال مجاهد : وهي مثل الآية التي في سورة البقرة بَلى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ . القول في تأويل قوله تعالى : كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصالُوا الْجَحِيمِ ثُمَّ يُقالُ هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ يقول تعالى ذكره : ما الأمر كما يقول هؤلاء المكذبون بيوم الدين ، من أن لهم عند الله زلفة ، إنهم يومئذ عن ربهم لمحجوبون ، فلا يرونه ، ولا يرون شيئا من كرامته يصل إليهم . وقد اختلف أهل التأويل في معنى قوله : إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ فقال بعضهم : معنى ذلك : إنهم محجوبون عن كرامته . ذكر من قال ذلك : حدثني علي بن سهل ، قال : ثنا الوليد بن مسلم ، عن خليد ، عن قتادة كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ هو لا ينظر إليهم ، ولا يزكيهم ، ولهم عذاب أليم . حدثني سعيد بن عمرو السكوني ، قال : ثنا بقية بن الوليد ، قال : ثنا جرير ، قال : ثني نمران أبو الحسن الذماري ، عن ابن أبي مليكة أنه كان يقول في هذه الآية إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ قال : المنان ، والمختال ، والذي يقتطع أموال الناس بيمينه بالباطل . وقال آخرون : بل معنى ذلك : إنهم محجوبون عن رؤية ربهم . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن عمار الرازي ، قال : ثنا أبو معمر المنقري ، قال : ثنا عبد الوارث بن سعيد ، عن عمرو بن عبيد ، عن الحسن في قوله : كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ قال : يكشف الحجاب فينظر إليه المؤمنون كل يوم غدوة وعشية ، أو كلاما هذا معناه . وأولى الأقوال في ذلك بالصواب : أن يقال : إن الله تعالى ذكره أخبر عن هؤلاء القوم أنهم عن رؤيته محجوبون . ويحتمل أن يكون مرادا به الحجاب عن كرامته ، وأن يكون مرادا به الحجاب عن ذلك كله ، ولا دلالة في الآية تدل على أنه مراد بذلك الحجاب عن معنى منه دون معنى ، ولا خبر به عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قامت حجته . فالصواب أن يقال : هم محجوبون عن رؤيته ، وعن كرامته ، إذ كان الخبر عاما ، لا دلالة على خصوصه . وقوله : ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصالُوا الْجَحِيمِ يقول تعالى ذكره : ثم إنهم لواردو الجحيم ، فمشويون فيها . ثُمَّ يُقالُ هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ يقول جل ثناؤه : ثم يقال لهؤلاء المكذبين بيوم الدين : هذا العذاب الذي أنتم فيه اليوم ، هو العذاب الذي كنتم في الدنيا تخبرون أنكم ذائقوه ، فتكذبون به ، وتنكرونه ، فذوقوه الآن ، فقد صليتم به . القول في تأويل قوله تعالى : كَلَّا إِنَّ كِتابَ الْأَبْرارِ . . . إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ يقول تعالى ذكره : كَلَّا إِنَّ كِتابَ الْأَبْرارِ لَفِي عِلِّيِّينَ والأبرار : جمع بر ، وهم الذين بروا الله بأداء فرائضه ، واجتناب محارمه . وقد كان الحسن يقول : هم الذين لا يؤذون شيئا حتى الذر . حدثنا ابن بشار ، قال : ثنا عبد الرحمن ، قال : ثنا هشام ، عن شيخ ، عن الحسن ، قال : سئل عن الأبرار ، قال : الذين لا يؤذون الذر . حدثنا إسحاق بن زيد الخطابي ، قال : ثنا الفريابي ، عن السري بن يحيى ، عن الحسن ، قال : الأبرار : هم الذين لا يؤذون الذر . وقوله : لَفِي عِلِّيِّينَ اختلف أهل التأويل في معنى عليين ، فقال بعضهم : هي السماء السابعة . ذكر من قال ذلك : حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : أخبرني جرير بن حازم ، عن الأعمش ، عن شمر بن عطية ، عن هلال بن يساف ،